أحمد بن محمد الخفاجي
108
شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل
( تَحِلَّةُ القَسَمِ ) : في الكشاف « 1 » في قوله تعالى : تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ « 2 » تحلة القسم فيه معنيان الاستثناء من حلل فلان في يمينه إذا استثنى ومنه حلا أبيت اللعن أي استثن وذلك أن يقول إن شاء اللّه حتى لا يحنث ، الثاني تحليلها بالكفارة ، ومنها حديث : « لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم » . وقول ذي الرمة « 3 » : [ من الطويل ] : قليلا كتحليل الألي ثمّ قلّصت انتهى وهذا أصلها ، ثم عبر بها عن التقليل وعدم المبالغة في الشيء كما في شعر ذي الرمة . وأما الحديث المذكور فقال فيه أبو عبيدة يريد قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها « 4 » ، أي لا يرد النار إلا ما أقسم اللّه تعالى به . . . قال ابن قتيبة : هذا حسن لو كانت الآية قسما . ووجه آخر وهو أن المراد تقليل المدة لأنهم إذا أرادوا تقليل مدة شبهوها بتحليل القسم ، وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه إلا أن يشاء اللّه فيقولون ما يقيم إلا تحلة القسم . قال الشاعر في ثور : [ من البسيط ] : يخفي التّراب بأظلاف ثمانية * في أربع مسّهنّ الأرض تحليل والأول أرجح وعليه كثير . . . وقال أبو بكر زائدة للتوكيد وتحلّة منصوب على الظرف كذا في مجالس الشريف . قلت اعتراض ابن قتيبة على أبي عبيدة اعترفوا به ورأوه واردا غير مندفع ، وهو غير وارد عندي بل غفلة عن النظم الكريم ، فإنه تعالى قال في الآية : كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا « 5 » ، فإنه تعالى تعهد لهم بذلك وأكده بكلمة على المستعملة في النذور والعهود ، والعهد يعد في العرف واللغة يمينا كما صرح به الفقهاء كغيرهم . وسماه اللّه يمينا في القرآن في قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ « 6 » ثم قال : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها « 7 » فجعله يمينا وهذا هو مراد أبي عبيدة .
--> ( 1 ) الزمخشري : الكشاف ، ج 4 ص 125 . ( 2 ) سورة التحريم ، الآية 2 . ( 3 ) ذو الرّمة : الديوان ، ص 294 وعجزه : به شيمة روعاء تقليص طائر وكان في الصدر « فصلت » فصوبناها في المتن نقلا عن الديوان . ( 4 ) سورة مريم ، الآية 71 . ( 5 ) سورة مريم ، الآية 71 ، والآية بتمامها : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا . ( 6 ) سورة النحل ، الآية 91 . ( 7 ) سورة النحل ، الآية 91 .